نصر حامد أبو زيد
99
الاتجاه العقلي في التفسير
وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ يعني جعل الليل والنهار ليس مثلهما في القرآن » 23 . ولا يتوقف مقاتل - وهذا طبيعي - أمام التعبير بالظلمات والنور عن الشرك والايمان ليبين العلاقة بين الوجهين ، وذلك لأن غايته هي ايراد المعنى المباشر لهذه الألفاظ والعبارات ووجوهها المختلفة في القرآن . وكما تتعدد وجوه اللفظ الواحد ، تتعدد كذلك وجوه الحرف الواحد ، ويتعرض مقاتل في هذا الصدد للوجوه المختلفة للحروف ، ولكنه لا يشير في أي من هذه الحروف أو الأدوات إلى وجه أصلي ووجوه فرعية أو ثانوية ، بل تتساوى وجوه الحرف الواحد في امكانية ورودها . والكتاب - من هذه الوجهة - يعدّ أقدم كتاب وصلنا في معاني الحروف ، مما يؤكّد أن تفسير القرآن ، أو الدراسات القرآنية عموما ، كانت في الحضارة الاسلامية هي البيئة الطبيعية التي نضجت في أحضانها كل فروع الدراسات اللغوية والبلاغية . وإلى جانب هذه الدراسة التي قرّبت المفسّر من مفهوم « المجاز » نرى أن مصطلح « المثل » يتقدم خطوة للامام ، حيث يكشف مقاتل عن العلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي في المثل وذلك حين يفسّر الوجوه المختلفة لكلمة « ماء » في القرآن ، فهو يرى أن لها وجوها ثلاثة هي المطر ، والنطفة ، « والوجه الثالث : الماء : يعني القرآن ، كما أن الماء حياة الناس ، كذلك القرآن حياة لمن آمن به » 24 ج - أبو عبيدة وأنواع المجاز وإذا كان مقاتل بن سليمان صاحب ميول تجسيدية واضحة ، وذا نزعة ارجائية معروفة ، وهو أول من وصلنا عنه كتاب في « الأشباه والنظائر » فإن أول كتاب يصلنا بعنوان « مجاز القرآن » هو لأبي عبيدة معمر بن المثنى ( ت 207 ه ) الخارجي 25 . وفي نفس الفترة تقريبا نلتقي بكتاب « معاني القرآن » للفراء ( ت 209 ه ) وله ميول اعتزالية أشار إليها الدارسون . وكما فعلنا مع كتاب مقاتل ، سنكتفي هنا بمحاولة رصد ما يندرج تحت مفهوم المجاز من أساليب ، تاركين الكشف عن الجوانب الكلامية في هذه المؤلفات للفصل الخاص بالتأويل . ولا شك أن طبيعة ثقافة كل من أبي عبيدة والفراء قد أثّرت - بشكل أو بآخر - على زاوية رؤية كل منهما للتركيب القرآني ، وعلى طريقة تحليلهما لهذا التركيب وتذوقهما له . والدوافع التي دفعت كلا منهما لتأليف كتابه تكشف - من جانب آخر - عن وجود مجموعة من العوامل الخارجية أهمها استغلاق النص القرآني على أفهام كثيرين من رجال الدولة ذوي الأصول الأعجمية في غالب الأحيان ، هذا إلى جانب أخطائهم في نطق القرآن أو اللحن فيه . وكان من أثر ذلك كله أن تطورت مهمة